الشريف الرضي

267

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وعدم اختياره ، لان المسلمين مجمعون على أن ما علم الله سبحانه أنه يفعله فهو فاعل له لا محالة ، وليس يوجب ذلك أن يكون مضطرا ولا مضطهدا ، وإن كان تعالى على ضد ما يعلم أنه يفعله قادرا ، فقد بطل إذن ما ظنه السائل من القدح في قوله سبحانه : ( لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ، ولم يمتنع أن يكون الذين برزوا إلى مضاجعهم مختارين غير مضطرين ، كما أن الله سبحانه مختار لإماتة عباده وبعثهم إلى معاده ، وقادر على ضد ذلك فيهم ، وإن كان سبحانه لابد أن يفعل الفناء والإماتة والبعث والإعادة ، دون أضداد ذلك ، وهذا مما لا يدفعه دافع ولا يجحده جاحد . وقال بعضهم : الخطاب في ذلك للمنافقين ، فكأنه سبحانه قال : لو أخلدتم إلى لزوم بيوتكم فلم تخرجوا إلى عدوكم ونصر نبيكم ، لبرز المؤمنون إلى نصره وترافدوا على منعه ، ومعنى ( برزوا ) أي : خرجوا إلى البراز ، وهو : الضاحي [ 1 ] من الأرض ، اي : لأوصلتهم [ 2 ] الأسباب التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم . فكان تلخيص الكلام أنه لو قعد عن القتال المنافقون ، لخرج إليه وقام به المؤمنون ، ولم يرد تعالى بقوله : ( كتب عليهم القتل ) - على هذا التأويل - معنى : فرض ، وإنما أراد معنى : علم ذلك منهم ، أو سبق اثباته في اللوح المحفوظ قبل وقوع القتل بهم ، كما قال تعالى : ( ستكتب شهادتهم ويسألون ) [ 3 ] ، وكما قال تعالى :

--> ( 1 ) الضاحي : البارز للشمس . ( 2 ) وفي ( خ ) : لا وصفتهم . ( 3 ) الزخرف : 19 .